إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

165

زهر الآداب وثمر الألباب

شئت قلت عبيد ولبيد ، وإن شئت حبيب والوليد « 1 » . قصيدته روضة تجتنى بالأفكار ، ونقل يتناول بالأسماع والأبصار « 2 » ، ونقل العلم والأدب ، ألذّ من نقل المأكل والمشرب ، وفاكهة الكلام ، أطيب من فاكهة الطعام . نظم كنظم الجمان ، وروض كالجنان ، وأمن الفؤاد ، وطيب الرّقاد . قصيدة لم أر غيرها بكرا ، استوفت أقسام الحنكة ، واستكملت أحكام الدربة « 3 » ؛ فعليها رونق الشباب ، ولها قوّة المذكيات الصّلاب « 4 » ، روح الشعر ، وتاج الدهر ، ومقدمة عساكر السحر . كل بيت شعر خير من بيت تبر . شعر يحكم له بالإعجاز والتّبريز ، ويشبّه في صفاء سبكه بالذّهب الإبريز . شعر تاتلف القلوب على درره ائتلافا ، وتصير الآذان له أصدافا . للَّه درّه ما أحلى شعره ! وأنقى درّه ، وأعلى قدره ، وأعجب أمره ! قد أخذ برقاب القوافي ، وملك رقّ المعاني ، فضله برهان حق ، وشعره لسان صدق . فلان يغرب بما يجلب ، ويبدع فيما يصنع ، حسن السبك ، محكم الرّصف ، بديع الوصف ، مرغوب في شعره ، متنافس في سحره . هو ضارب في قداح الشعر بأعلى السهام ، آخذ في عيون الفضل بأوفى الأقسام ، شعاره أشعاره ، ودابه آدابه ، هو ممن يبتده فيبتدع ، طبعه يملى عليه ، ما لا يملّ الاستماع إليه . قريحة غير قريحة ، وطبع غير طبع « 5 » ، وخيم غير وخيم ، لبيد عنده بليد ، وعبيد لديه من العبيد ، والفرزدق عنده أقل من فرزدقة خمير « 6 » ، وجرير يقاد إليه بجرير « 7 » قد نسج حلالا لا يبلى جدّتها الجديدان ، ولا تزداد إلا حسنا على

--> « 1 » عبيد بن الأبرص : شاعر جاهلي ولبيد بن ربيعة العامري : شاعر مخضرم ، وحبيب هو أبو تمام بن أوس الطائي ، والوليد هو أبو عبادة الوليد البحتري : شاعران من شعراء العصر العباسي ( م ) . « 2 » النقل : ما يتنقل به من أنواع الفواكه على الشراب « 3 » الحنكة : التجربة ، والدربة : التمرين « 4 » المذكيات والمذاكى : الخيول بلغت سن القوة « 5 » غير طبع : غير لئيم ، وهي من طبع السيف ، على وزن علم ، إذا ركبه الصدأ الكثير « 6 » الفرزدقة : القطعة من العجين « 7 » الجرير : الحبل .